المنحوتات والنصب التذكارية ليست مجرد أعمال فنية. أحياناً تحكي قصة حدث، وقصة مأساة، وقصة شعب رفض أن ينكسر. وفي قمة منتزه آبيدار الغابي فوق مدينة سنندج، يقف نصب الصمود في كردستان بوصفه واحدة من هذه الأعمال. يخلّد هذا النصب المدنيين الأكراد الأبرياء الذين عانوا وماتوا خلال القصف الكيميائي في الحرب العراقية الإيرانية، وقد أصبح أقوى رمز للذكرى في المنطقة. ولزوّار سنندج، يمثل محطة أساسية ومؤثرة بعمق.

أين يقف النصب
يرتفع النصب التذكاري فوق منتزه آبيدار الغابي، أكبر مساحة خضراء في سنندج، الذي يمتد على المنحدرات الجنوبية لجبل آبيدار. ومن هذا الموقع المرتفع، يطل النصب على المدينة بأكملها، كشخصية حارسة تراقب عاصمة محافظة كردستان. للوصول إلى النصب، توجه إلى منطقة منتزه آبيدار جنوب غرب وسط المدينة، ثم اتبع الطريق الذي يصعد الم تل. سيارات الأجرة المحلية تعرف الوجهة جيداً، والرحلة من وسط سنندج تستغرق نحو خمس عشرة دقيقة فقط.
الموقع اختير بعناية. في الأصل، كان النصب مخصصاً لقرية قلعه جي، إحدى القرى الحدودية التي عانت مباشرة من الهجمات الكيميائية. لكن الحجم الهائل للنحت المنتهي، بجسمه الممتد خمسة عشر متراً وقاعدته التي تبلغ واحد وعشرين متراً، جعل قمة التل فوق سنندج الإطار الأنسب له. هناك، مرئياً من كل زاوية تقريباً في المدينة، يذكّر الجميع بما أصاب أهل هذه المنطقة.
أبٌ يحمل أطفاله
يجسّد النصب أباً كردياً يرتدي الملابس المحلية التقليدية. بيده يحمل ابنته وابنه، وكلاهما شهيد. وجهه يحمل الحزن والكرامة في آن واحد، والألم والثبات مندمجين في تعبير واحد. يلتقط العمل معاناة أهل كردستان خلال ثماني سنوات من الحرب والقصف الكيميائي، لكنه يلتقط أيضاً صمودهم. إنه ليس نصباً للهزيمة. إنه نصب للاستمرارية.
مقياس العمل استثنائي. يجمع النصب من خمس قطع طول كل منها ثلاثة أمتار، ويبلغ وزنه أكثر من عشرين طناً. إنشاء الألواح المعدنية يمنح الأشكال جودة خام وزاويّة تعزز التأثير العاطفي. بارتفاع خمسة عشر متراً، يرتفع من قاعدة تبلغ إجمالي الارتفاع واحد وعشرين متراً، فهو أكبر تمثال في سنندج وأكبر نصب تذكاري لشهداء القصف الكيميائي في البلاد بأكملها.

الفنان صاحب العمل
مُبدع النصب هو هادي ضياء الدين، نحّات ورسام من سنندج. عمل مع الفنان مسعود صميمي وفريق من لُحّامين مهرة لإحياء التصميم الضخم. دعمت بلدية سنندج عملية البناء، ورُكّب النصب في أردبهشت 1399، أي أبريل ومايو من عام 2020.
كان نصب الصمود هو النحت العام الخامس عشر في مسيرة ضياء الدين الفنية. تظهر أعماله في مدن عبر إيران وخارجها، بما فيها سنندج ومهاباد وأصفهان وقزوين، والمدن العراقية أربيل والسليمانية. ومن بين أعماله الأخرى المشهودة نصب الحرية ونصب مير عماد الخطاط في قزوين، ونحت رحلة التحرير في حديقة الأطفال في أصفهان، ونحت زيفية في حديقة آبيدار ذاتها. وقد كُلف النصب في عام 1389، أي حوالي عام 2010، من مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس في محافظة كردستان.

التاريخ الذي يخلّده
يقف النصب في ذكرى واحدة من أحلك فصول الحرب العراقية الإيرانية. خلال سنوات الصراع الثماني، هاجم نظام البعث العراقي المدن والقرى الإيرانية بالأسلحة الكيميائية في مناسبات عديدة. قصف سردشت في السابع من تير 1366، الموافق 28 يونيو 1987، جعل تلك المدينة الأولى في العالم التي تتعرض للأسلحة الكيميائية ضد سكانها المدنيين. أُصيب آلاف السكان العاديين بالتسمم وهم يمارسون حياتهم اليومية.
لم تتوقف المعاناة هناك. بدءاً من الخامس والعشرين من أسفند 1366، تعرضت القرى الحدودية في منطقة مريوان لهجمات كيميائية متواصلة، واستمر القصف إلى فروردين من العام التالي. تعرضت قرى منها قلعه جي، ونژمار، وکانی دینار، ونی، وبالک، وهجرت، ودارگاه شیخ، وبهرامآباد، وبلبر، ومرگ، وشارانی، وتازهآباد، وکال بالا، ودزیان للهجوم. أسفرت هذه الهجمات عن مقتل 120 شخصاً وإصابة أكثر من ألف، وظل الحصيلة ترتفع في السنوات التالية مع عيش الناجين مع الآثار طويلة المدى للتعرض للغازات.

سردشت: المدينة التي تحمل الندبة
سردشت نفسها تبعد نحو ساعتين بالسيارة غرباً عن سنندج، قرب الحدود العراقية، وتحيط بها بساتين الفستق والجبال الزرقاء. من يرغب في تقريب القصة عن قرب يمكنه أن يمتد من النصب إلى المدينة ذاتها، حيث ما زال كثير من العائلات يتذكّر صباح السابع من تير وهبوب الغاز الذي اجتاح الشوارع وقتها. الطريق الجبلي بين المدينتين جميل بحد ذاته، ويعبر مرتفعات ومنحدرات تمنح الزائر فهماً أعمق لطبيعة المنطقة الحدودية الوعرة التي جعلت من هذه القرى جبهةً معزولة خلال سنوات الحرب. إن زيارة سردشت بعد الوقوف تحت النصب تحوّل التذكار من رمز معدني إلى تجربة إنسانية كاملة.
نصائح للتصوير والزيارة
للتصوير، ساعات الصباح الأولى تمنحك النصب مضاءً من جهته الأمامية مع سماء صافية في الغالب في هذا الجزء من إيران. في الشتاء تتساقط الثلوج على قمم آبيدار وقد يكتسي النحت بطبقة بيضاء، فيقدّم منظراً مختلفاً كلياً عن منظر الخريف الذهبي. احمل سترة خفيفة حتى في عز الصيف، فارتفاع الموقع يجعل الجو أبرد بوضوح من المدينة في الأسفل. وتذكّر أن هذا مكان حداد وطني أيضاً؛ الصور الشخصية مرحّب بها بعيداً عن الشعائر التذكارية، لكن من الأدب تجنّب التصرفات المتباهية عند القاعدة، خصوصاً في الأيام الوطنية التي تزداد فيها الحشود.
زيارة النصب اليوم
نصب الصمود مجاني للزيارة ومفتوح للجمهور في كل الأوقات. يأتي معظم الناس في أواخر بعد الظهر، عندما تتراجع حرارة الشمس فوق الجبال ويتحول منظر سنندج إلى اللون الذهبي. منتزه آبيدار الغابي ذاته من أكثر المناطق الترفيهية شعبية في المدينة، بمساراته للمشي ودور الشاي ومواقع النزهات المظللة بالأشجار العالية. كثير من الزوّار يدمجون النصب مع نزهة أطول في الحديقة أو أمسية مشاهدة أضواء المدينة تشتعل في الأسفل.
الموقع أيضاً مكان يأتيه المحليون للذكرى. في ذكريات الهجمات الكيميائية وأيام الحداد الوطني، تتجمع الحشود عند قاعدة النصب لوضع الأزهار وتكريم الضحايا. يجب على الزوّار معاملة الموقع باحترام، فهو يؤدي دوراً مزدوجاً كمعلم سياحي وكذكرى مقدسة.

لماذا يجب أن تزوره
للمسافرين المهتمين بتاريخ وثقافة كردستان الإيرانية، يقدم نصب الصمود شيئاً لا يستطيع أي متحف تقديمه. إنه يضعك وجهاً لوجه أمام التاريخ الحديث لهذه المنطقة، مصوراً في الفولاذ على مقياس لا يمكن تجاهله. القصة التي يحكيها قاسية، لكنها أيضاً قصة بقاء وكرامة وروح لا تنكسر لشعب أعاد بناء حياته بعد فقدان لا يمكن تخيله.
سنندج ذاتها تكافئ الزوّار بثقافتها الكردية الغنية، ومنازلها التاريخية وسوقها، وسمعتها كواحدة من أكثر المدن ترحيباً في إيران. النصب على آبيدار هو المدخل المثالي لهذا المكان العميق والمركّب. تعال وقت الغروب، وقف تحت الأب الذي يحمل أطفاله، ودع منظر المدينة في الأسفل يكمل القصة.