ابتعد عن شوارع وسط رشت الصاخبة ودُخِل مساحة يبدو فيها الزمن وكأنه يتباطأ. سبزه ميدان، التي تعني حرفياً الساحة الخضراء، تقع في الجزء الغربي من مدينة رشت على بُعد خطوات قليلة من ساحة شهرداري الشهيرة. أشجار طائرة ضخمة تمتد فوقك، تُرشِّح ضوء الشمال بأنماط ناعمة على الأرض. الحمام يحلّق بين الأغصان، ولاعبو الشطرنج ينكبّون على رقاعهم، ورائحة الأرض المبللة بالمطر تمتزج بعشبة الأعشاب الطازجة من أكشاك السوق القريبة. هذا ليس مجرد حديقة، بل هو غرفة معيشة رشت، مكان يلتقي فيه السكان المحليون والمسافرون على نفس المقاعد ويشتركون في نفس المتعة الهادئة للتواجد في مكان جميل.

ساحة وُلدت من مرج
يعود تاريخ سبزه ميدان إلى العصر القاجاري. قبل أن تصبح ساحة عامة رسمية، كانت هذه المنطقة مرجاً مفتوحاً يمتد بين حيّين قديمين من أحياء رشت هما أستاذ سرا وكياب. كان المرج يمتد حتى منطقة جينارسرا. في أحد أطرافه كانت توجد بركة صغيرة، وبجواره مقبرة يُدفن فيها المجرمون الذين نُفِّذ فيهم حكم الإعدام. لم يكن المكان جميلاً بأي حال.
تغيّر كل شيء عندما جلس مظفر الدين شاه قاجار على العرش. حيث قرّر حاكم رشت، محمد ولي خان تنكابني، الملقب بنصر السلطنة، تحويل هذه الأرض المهملة. أمر بتنسيق المنطقة وتحويلها إلى حدائق وممرات وصفوف من الأشجار، وأطلق عليها اسم سبزه ميدان. أُغلقت المقبرة، وملئت البركة المهملة التي كانت تمتلئ بمياه الأمطار فقط وتتحول إلى مستنقع للضفادع كل عام بنفايات المدينة. كما غُطيت قناة مفتوحة كانت تمتد من سوق سبزه ميدان باتجاه بيرسرا ونهر جوهر رود بأقواس من الطوب. ثم عرض نصر السلطنة قطع الأراضي المحيطة على البنّائين، معظمهم من خانات فومن وشفت وتولم وكسما، بشرط بناء منازل ومحلات لائقة.
في وقت قصير، ظهرت الحدائق والشوارع. على الجانب الجنوبي من الساحة، بُنيت مدرسة أُطلق عليها اسم أشرف مظفري. في عام 1955، نُقلت المدرسة إلى وزارة التربية والتعليم. بعد إغلاقها، اشترتها البلدية وهدمتها لتوسيع الشارع الجنوبي للساحة. وعلى مدى العقود، تحوّل المرج المحيط بسبزه ميدان إلى ما يُعرف اليوم بشارع طالقاني، وتحولت البركة القديمة إلى سينما.
ماذا ترى وتفعل في سبزه ميدان
تغطي سبزه ميدان اليوم مساحة تبلغ 29,700 متر مربع. وتظل واحدة من أكثر المساحات الخضراء المحبوبة في رشت ومن أبرز المعالم السياحية في محافظة جيلان. الحديقة غنية بالأشجار القديمة الشاهقة التي توفر ظلاً بارداً خلال الأشهر الدافئة. وفي أي يوم، تجد السكان المحليين يتجمعون في مجموعات صغيرة، يلعبون الشطرنج أو الدومينو على طاولات حجرية منتشرة في أنحاء الحديقة. الأجواء دافئة ومريحة وجذابة بحق.
من أبرز ما يميّز سبزه ميدان مجموعة التماثيل النصفية التي تكرّم شخصيات مشهورة من جيلان. وُضعت هذه التماثيل في أجزاء مختلفة من الحديقة وتقدّم تحية هادئة للتراث الثقافي والفكري للمنطقة. من بينها تماثيل شايان فومني، الشاعر الجيليكي الشهير المعروف بأبياته الذكية والمؤثرة باللهجة المحلية. كما تجد تماثيل للبروفيسور فضل الله رضا، رائد الجراحة الإيرانية، والدكتور محمود بهزاد، أبو العمل الاجتماعي الإيراني، والبروفيسور مجيد سميعي، جراح المخ والأعصاب ذو الشهرة العالمية، والبروفيسور حسن أكبرزاده، العالم البارز. السير بين هذه التماثيل يشبه جولة مختصرة عبر إنجازات محافظة قدّمت الكثير للثقافة والعلوم الإيرانية.

تكون الساحة جميلة بشكل خاص في وقت متأخر من بعد الظهر، عندما تأتي العائلات للتنزه، ويطارد الأطفال الحمام، وبائعو الشوارع يبيعون الذرة المحمصة وبذور عباد الشمس. إذا زرتها خلال عطلة نوروز أو الاحتفالات الوطنية الأخرى، تنبض الساحة بالحياة مع الموسيقى وأكشاك الطعام وطاقة احتفالية يصعب العثور عليها في مكان آخر في إيران. إنها من تلك الأماكن التي يمكنك الجلوس فيها على مقعد، ومشاهدة العالم يمرّ، والشعر بأنك مرتبط حقاً بالمدينة.
الحي المحيط بالساحة
لا توجد سبزه ميدان في عزلة. فهي تقع في قلب أحد أعرق الأحياء التاريخية في رشت. شوارع لاكاني وبيستون وأستاذ سرا تؤدي جميعها مباشرة إلى الساحة. بينما يربط شارع علم الهدى بين سبزه ميدان وساحة شهرداري، المركز المدني الأيقوني لرشت بقصره البلدي الأبيض وبرج الساعة الشهير. تستغرق المشي بين الساحتين حوالي عشر دقائق وتمرّ عبر القلب التجاري للمدينة.
على بُعد خطوات قليلة من سبزه ميدان، تجد بازار رشت الكبير، واحد من أكثر الأسواق حيوية وألواناً في شمال إيران. يعود تاريخ البازار إلى العهدين القاجاري وأوائل البهلوي، وهو مبني حول فِناءين رئيسيين و14 قافلة سرايات تاريخية. في الداخل، يمكنك شراء كل شيء من أسماك بحر قزوين الطازجة والأعشاب العطرية إلى السلال المنسوجة يدوياً ومعجون الزيتون ورمان الحامض الشهير في جيلان. قسم سوق السمك لا يُنسى بشكل خاص، حيث ينادي الباعة على صيد اليوم بلهجة جيليكية سريعة.
بالقرب أيضاً يوجد باساج تمدن وباساج سبيد رود، اثنين من أقدم مجمعات التسوق في رشت. يقع باساج تمدن بجوار حديقة سبزه ميدان مباشرة وكان وجهة مفضلة للمتسوقين والزوار على مدى عقود. مركز تسوق رز، الواقع في شارع سبزه ميدان بالقرب من شارع علم الهدى، هو وجهة أخرى شعبية للملابس والإكسسوارات بأسعار معقولة.

لمن يهتم بالتاريخ، يُعتبر متحف البريد ومبنى فندق إيران القديم كلاهما واقعاً في مجمع ساحة شهرداري. كان فندق إيران القديم من أوائل الفنادق الحديثة في شمال إيران، وواجهته ذات الطراز الفني آرت ديكو تذكير لافت بتحديث رشت في أوائل القرن العشرين. المكتبة الوطنية لرشت أيضاً موجودة في الجوار المباشر، وتقع في مبنى ذي أهمية معمارية. كما يمكنك زيارة بيت ميرزا كوجك خان، زعيم حركة مشروطة جيلان، وهو منزل تاريخي يوثّق حقبة مهمة من تاريخ المنطقة.
كيفية الوصول إلى هناك
تقع سبزه ميدان في الجزء الغربي من وسط مدينة رشت، عاصمة محافظة جيلان. تبعد المدينة حوالي 250 كيلومتراً عن طهران شمال غرب، على طول الساحل الجنوبي لبحر قزوين. الوصول إلى رشت سهل. يمكنك الطيران من طهران إلى مطار سردار جنگل في رشت في ساعة تقريباً، أو القيام برحلة برية خلابة عبر جبال البرز عبر طريق قزوين-رشت السريع الذي يستغرق ثلاث إلى أربع ساعات تقريباً. كما تربط محطة قطار رشت المدينة بشبكة السكك الحديدية الوطنية.
بمجرد وصولك إلى رشت، من السهل الوصول إلى سبزه ميدان. تقع في وسط المدينة ويمكن الوصول إليها من شارع الإمام وشارع شريعاتي وشارع علم الهدى. من ساحة شهرداري، امشِ غرباً على طول شارع علم الهدى لمدة عشر دقائق تقريباً. سيارات الأجرة المحلية متوفرة وبأسعار معقولة. تقدم سيارات أجرة مهيار رحلات مريحة في جميع أنحاء المدينة، سواء كنت قادماً من المطار أو محطة الحافلات أو فندقك. إذا كنت تقيم في رشت، فإن معظم الفنادق المركزية تقع على بُعد مسافة مشي من الساحة.
ساعات العمل والمعلومات العملية
سبزه ميدان حديقة مفتوحة بدون رسوم دخول. يمكن زيارتها كل يوم من أيام الأسبوع، وعادة ما تكون الأكثر ازدحاماً في وقت متأخر من بعد الظهر والمساء. أفضل وقت للزيارة هو خلال الربيع وأوائل الصيف، عندما تكون الأشجار مكتملة الأوراق والطقس في جيلان معتدلاً وممتعاً. الخريف جميل أيضاً، إذ تتحول أشجار الطائرة إلى اللون الذهبي، لكن أمطار الشتاء قد تجعل الممرات موحلة. لا توجد ساعات فتح رسمية لأن الساحة مفتوحة تحت السماء، لكن معظم الزوار يأتون بين الرابعة والتاسعة مساءً. تتوفر مراحيض عامة بالقرب من مدخل الحديقة، والمقاعد متوفرة بكثرة.
نصائح لزيارتك
إذا كنت تخطط لرحلة إلى رشت، فكّر في الجمع بين زيارتك لسبزه ميدان والمشي في ساحة شهرداري، حيث يمكنك الاستماع إلى أوركسترا البلدية التي تعزف موسيقى حية في العديد من الصباحات وفي المناسبات الخاصة. برج ساعة المبنى البلدي يُصدر دقاته في كل ساعة، وهو صوت كان جزءاً من الإيقاع اليومي للمدينة منذ عقود.

للإقامة، تُدرج فنادق مهيار مجموعة من الخيارات في رشت، من بيوت الضيافة الاقتصادية بالقرب من البازار إلى الفنادق الراقية في حي جلسار. منطقة جلسار، الواقعة شمال غرب وسط المدينة، تضم مركز التسوق الإيراني والمجمع التجاري جلسار وبعض أفضل المطاعم في المدينة.
إذا كنت ترغب في استكشاف المزيد، فإن متحف جيلان للتراث الريفي، الواقع على بعد حوالي 20 كيلومتراً خارج رشت على طريق سراوان، يقدم معرضاً مفتوحاً رائعاً للعمارة التقليدية من قرى المحافظة. يضم المتحف منازل تاريخية مُنقولة وورش عمل وهياكل زراعية، مما يمنح الزوار نظرة شاملة على التراث الريفي لجيلان.
يجب أن يعرف محبو الطعام أن رشت اعترفت بها اليونسكو كمدينة إبداعية لفن الطهو. المطبخ المحلي من أكثر المطابخ تنوعاً ونكهة في إيران، ويشمل أطباقاً مثل ميرزا قاسمي وبقلي قاتوق وكاته. حول سبزه ميدان والبازار، ستجد العديد من المطاعم الصغيرة وأكشاك الطعام التي تقدم وجبات جيليكية تقليدية بأسعار معقولة جداً.
باختصار، سبزه ميدان أكثر من مجرد محطة سياحية. إنها مكان تتكشف فيه الحياة اليومية لرشت تحت ظل الأشجار العتيقة. سواء كنت منجذباً بالتاريخ أو العمارة أو الثقافة المحلية أو مجرد الرغبة في الجلوس في مكان أخضر وهادئ في وسط مدينة نابضة بالحياة، فإن هذه الساحة تقدم كل ذلك. إنها بكل معنى الكلمة القلب الأخضر لجيلان.
