تبرز زقورة چوغا زنبيل من سهول خوزستان المسطحة في جنوب غرب إيران كواحدة من أكثر المعالم القديمة استثنائية في الشرق الأوسط. بناها الملك عنتاش ناپيريشا من الإمبراطورية العيلامية حوالي عام 1250 قبل الميلاد، وهي أقدم معبد مدرج محفوظ خارج بلاد الرافدين، وأول موقع في إيران أُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1979. بعد مرور أكثر من 3200 عام على بنائها، تقدّم چوغا زنبيل نافذة مباشرة على واحدة من أعظم حضارات العالم القديم.

ما هي الزقورة؟
قبل الخوض في تفاصيل چوغا زنبيل، من المفيد فهم ماهية الزقورات. بنى السومريون والأكاديون والعيلاميون والبابليون زقورات كمعابد ضخمة مدرجة لتكريم آلهتهم. تطورت هذه الأبنية الشاهقة من منصات مرتفعة بسيطة تعود إلى الألفية السادسة قبل الميلاد، وشكّلت جزءاً من مجمعات معبدية أكبر وخدمت كجسور رمزية بين السماء والأرض.
اعتبر الناس في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط القديم هذه الهياكل لقرون طويلة رمزاً للجبال السماوية. يشير الباحثون إلى أن الزقورات قد تمثل التلة البدائية التي نشأ منها الكون، أو الجبال السماوية، أو الجسور بين السماء والأرض، أو السلالم السماوية التي تربط الآلهة بالبشر. استخدم بلاد الرافدين الطين كأنقى مادة للبناء وشيّدوا منها هذه الهياكل المدرجة التي تصعد نحو السماء.
مدينة دور-أونتاش العيلامية
يقع موقع چوغا زنبيل في سهل خوزستان على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرق شوش (سوسا)، ويمتد على مساحة تتجاوز 100 هكتار. اختير اسم "چوغا زنبيل" لأن أبرز هياكل الموقع، زقورته، كانت تشبه سلة مقلوبة (زنبيل تعني "سلة" باللهجة المحلية) قبل أعمال الحفر التي كشفت عن شكلها الحقيقي.
تأسست هذه المدينة القديمة، المعروفة بالعيلامية "أل-أونتاش" وبالأكادية "دور-أونتاش"، بأمر من الملك عنتاش ناپيريشا، أحد أقوى الملوك العيلاميين. ازدهرت المدينة خلال حكمه الذي امتد لعشرين عاماً تقريباً من 1320 إلى 1300 قبل الميلاد. كانت عيلام حضارة قديمة تمتدت من جبال زاغروس إلى سهول جنوب غرب إيران، ودامت من حوالي 2900 قبل الميلاد حتى 646 قبل الميلاد. يقسم علماء الآثار الحضارة العيلامية إلى ثلاث مراحل: العيلامية القديمة والوسطى والحديثة. تنتمي چوغا زنبيل إلى المرحلة العيلامية الوسطى، عصر أعظم إنجاز معماري للحضارة.
أمر الملك عنتاش ناپيريشا ببناء معابد لمجموعتي الآلهة اللتين عبدهما سكان الجبال والسهول. بُنيت الزقورة الرئيسية لعبادة إنشوشيناك، إله شوش راعي والسهول، ونابيريشا، إله سكان المرتفعات. يعتقد كثير من علماء الآثار أن هدف الملك من بناء هذه المدينة كان إنشاء مركز روحي يوحّد سكان المرتفعات والمنخفضات في مملكته.

الجدران المتداخلة الثلاثة
بُنيت مدينة دور-أونتاش بثلاثة جدران متداخلة، يحيط كل منها بمساحات متخصصة. كان الجدار الخارجي الأكبر يُحيط منطقة واسعة كانت مخصصة لحماية المدينة بأكملها، رغم أن الأدلة الأثرية تشير إلى أن البناء السكني لم يُستكمل في هذه المنطقة أبداً. بين الجدارين الخارجي والأوسط تقع المنطقة الملكية التي تحتوي على قصور ومدخل عظيم ومعبد خاص بها. وبين الجدارين الأوسط والداخلي يقع الحرم المقدس مع معابد مخصصة لآلهة عيلامية مختلفة. أما الجدار الداخلي فيضم الزقورة نفسها، أطول وأبرز مبنى في المدينة.
لتوفير الماء لهذا المشروع الطموح، شيّد عنتاش ناپيريشا قناة مائية بطول حوالي 50 كيلومتراً لتوصيل المياه إلى خزان، مع تسع قنوات فرعية لجلب المياه المفلترة إلى حوض داخلي. يُظهر هذا الإنجاز الهيدروليكي مدى تطور التخطيط الحضاري العيلامي.
الهندسة المعمارية للزقورة
توجهت زقورة چوغا زنبيل بدقة نحو الجهات الأصلية الأربع، مما يعكس براعة التخطيط المعماري القديم. يتكون لبّها من الطوب اللبن، ومغطى بطبقة بسماكة مترين من الطوب المحروق للحماية. كانت الزقورة ترتفع في الأصل حوالي 52 متراً على خمس طبقات، لكنها تقوم اليوم بارتفاع 25 متراً تقريباً، بعد تدمير طبقاتها العليا عبر آلاف السنين.
كان الوصول إلى الزقورة عبر درج مقبّى مخفي عن الأنظار من الخارج، وهذا يختلف عن الزقورات بلاد الرافدين الأوسع التي كانت تتميز عادة بثلاثة سلالم خارجية. كانت الزقورة مكرسة لكل من إنشوشيناك ونابيريشا، مما يعكس الطبيعة المزدوجة للمدينة كمركز توحيدي.
تلف صفوف من الطوب المنقوش الزقورة بأكملها، وتتكرر تقريباً كل صف عاشر. تحمل هذه الطوب نقوشاً مسمارية تعبّر عن أسباب البناء واسم البنّاء والمواد المستخدمة. عُثر في الموقع على حوالي 6500 طوبة منقوشة. يُترجم أحد النقوش: "أنا، عنتاش ناپيريشا، بنيت معبداً متعدد الطوابق من الطوب الذهبي والفضي، وكرّست هذا المكان المقدس للإلهين إنشوشيناك ونابيريشا. فلتحل لعنة الحرم المقدس على من يدمّر أو يؤذي هذا العمل."
الاكتشافات والقطع الأثرية
أسفرت أعمال الحفر في چوغا زنبيل عن اكتشافات مذهلة. من أبرزها تمثال برونزي للملكة نابيراسو، زوجة عنتاش ناپيريشا، يعود إلى حوالي 1250 قبل الميلاد. يُعرض التمثال الآن في متحف اللوفر في باريس ويُعد تحفة فنية عيلامية. أجرى عالم الآثار الفرنسي رومان غيرشمان تنقيبات واسعة في الموقع بين عامي 1951 و1962، كاشفاً الكثير مما نعرفه اليوم عن هذا المجمع.
كشفت القبور المقوّبة في الطابق السفلي للقصر الملكي عن ممارسات حرق الجثث، إلى جانب معبد مخصص لنوسكو، إله النار. كما عُثر في الموقع على ألواح بابية مزججة تحمل نقوشاً ملكية، وأسلحة احتفالية مزخرفة بزخارف الخنزير البري والأسد، وقطع زجاجية أنبوبية استخدمت لتزيين الأبواب الخشبية، والعديد من التعويذات والتماثيل الصغيرة. يعكس استخدام الطوب المحروق والجص والطين والزجاج المزجج في الزخارف المعمارية مدى التطور والموارد الهائلة التي استُثمرت في البناء.
سقوط دور-أونتاش
رغم عظمتها، كانت ثروة المدينة قصيرة الأمد. في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، تخلى الملوك العيلاميون عن دور-أونتاش لصالح مدينة شوشا الأقدم، ونقلوا معظم كنوزها الفنية والدينية إلى معابد مُرمّمة هناك. ثم في عام 640 قبل الميلاد، دمّر الملك الآشوري آشور بانيبال ما تبقى من دور-أونتاش بالكامل خلال غزوه لعيلام. بقيت المدينة مدفونة تحت الرمال والتراب لأكثر من 2500 عام حتى كشفتها التنقيبات الحديثة.

كيف تزور چوغا زنبيل
تقع چوغا زنبيل على بعد حوالي 30 كيلومتراً جنوب شرق شوش ونحو 80 كيلومتراً شمال أهواز، عاصمة محافظة خوزستان. أقرب مدينة كبيرة هي أهواز التي تمتلك مطاراً برحلات محلية تربطها بطهران ومدن إيرانية أخرى. من أهواز يمكن للزوار الوصول إلى الموقع بالسيارة في حوالي ساعة. افتح تطبيق مهیار واحجز سيارة أجرة أو حافلة لرحلتك.
تتمتع المنطقة بمناخ صحراوي حار، حيث تتجاوز درجات الحرارة الصيفية 45 درجة مئوية بانتظام. أفضل وقت لزيارة چوغا زنبيل هو خلال الأشهر الباردة، من أكتوبر إلى أبريل، عندما يكون الطقس معتدلاً ومريحاً لاستكشاف الموقع في الهواء الطلق.
مواقع قريبة
تتزاور زيارة چوغا زنبيل بشكل طبيعي مع رحلات إلى مواقع تاريخية أخرى في المنطقة. مدينة شوش القديمة، إحدى أقدم المستوطنات المأهولة باستمرار في العالم، تقع على بعد 30 كيلومتراً فقط إلى الشمال الغربي وتضم آثاراً تمتد لآلاف السنين من التاريخ. متحف هفت تابه الواقع على الطريق من أهواز، يعرض قطعاً أثرية من الفترة العيلامية. كما يستحق ضريح دانيال في شوش الزيارة. بالنسبة للمسافرين الذين يستكشفون جنوب غرب إيران، يمكن لفنادق مهیار مساعدتك في إيجاد إقامة في أهواز أو شوش كقاعدة لاستكشاف هذه المواقع القديمة.
لماذا تُعد چوغا زنبيل مهمة
چوغا زنبيل ليست مجرد فضول أثري. إنها دليل على أن الحضارة العيلامية، التي غالباً ما طغى عليها جيرانها في بلاد الرافدين، كانت تمتلك قدرات معمارية وهندسية وفنية تضاهي أي من معاصريها. إن بقاء الزقورة لأكثر من ثلاثة آلاف عام، رغم الدمار الآشوري وعوادي الزمن، يشهد على جودة بنائها. لكل مهتم بالتاريخ العميق للحضارة الإنسانية، تُعد چوغا زنبيل وجهة أساسية تقدم تجربة لا تضاهيها مواقع أخرى كثيرة في العالم. إن زيارة هذا الموقع ليست مجرد رحلة سياحية بل هي سفر عبر الزمن إلى عصر كانت فيه الحضارات العظيمة تتنافس على بناء أعظم المعابد وأبقاها عبر الدهور.
