في وسط طهران، على الجانب الشرقي من ساحة بهارستان، ترتفع عمارة قجرية شامخة شهدت ولادة الديمقراطية الدستورية في إيران. تُعرف عمارة بهارستان محلياً بـ "عمارت بهارستان"، وقد اتخذت مقراً لمجلس الشورى الوطني طوال عقود من القرن العشرين، وتعمل اليوم كمبنى لبلدية طهران. من يدخل من بوابتها يدخل قصة متشابكة من العمارة والثورة والحريق والصمود تمتد لأكثر من مائة وخمسين عاماً من تاريخ إيران.

مدخل عمارة بهارستان في طهران
مدخل عمارة بهارستان في طهران

أين تقع عمارة بهارستان؟

تقع العمارة على الوجه الشرقي لساحة بهارستان في شارع مصطفى الخميني وسط طهران، ضمن المنطقة الثانية عشرة للبلدية. يضعها العنوان على مسافة قريبة سيراً على الأقدام من ساحة الإمام الخميني ومن النواة التاريخية للعاصمة. أما الحي المحيط، المعروف أيضاً باسم بهارستان، فكان في الماضي على الحافة الشمالية الشرقية لطهران القديمة، إلا أن عقوداً من التوسع العمراني جعلته اليوم في صلب المدينة.

تحيط بالساحة مبانٍ مهمة أخرى، منها متحف الفنون الوطني وقصر مسعودية، مما يجعل المنطقة وجهة مثالية لجولة سير على الأقدام في عمارة العصرين القاجاري والبهلوي.

نبذة تاريخية

تبدأ قصة عمارة بهارستان عام 1871، عندما كلّف ميرزا حسين خان سبهسالار، أحد أقوى رؤساء الوزراء في عهد ناصر الدين شاه القاجاري، ببناء قصر وحديقة فخمَين في هذا الموقع. غطّت المجموعة نحو خمسة هكتارات وشملت العمارة الرئيسية والحدائق ومدرسة ومسجداً وصهريج ماء. قصد سبهسالار أن يجعل المجمع مركزاً للحياة الثقافية والسياسية في طهران.

بعد وفاة سبهسالار، استولت الدولة القاجارية على جانب كبير من الملكية. وعقب الثورة الدستورية عام 1906، اختيرت العمارة مقراً لمجلس الشورى الوطني الذي تشكل حديثاً. ومن تلك اللحظة حتى ثورة 1979، انعقدت أربع وعشرون دورة برلمانية داخل هذه الجدران. نجا المبنى من القصف بالمدفعية عام 1908، عندما أمر محمد علي شاه القاجاري لواء القوزاق الروسي بقيادة العقيد لياخوف بقصف البرلمان، في حدث يُعرف في التاريخ الإيراني بقصف المجلس.

القاعة الداخلية لعمارة بهارستان
القاعة الداخلية لعمارة بهارستان

تعرّض المبنى لثلاثة حرائق كبرى على مر العقود. الأول عام 1883، والثاني عام 1932 حين انهار سقف غرفة الجلسات الخاصة، والثالث والأكثر تدميراً عام 1995، عندما أتى عطل كهربائي على الجانب الغربي من المبنى. أعقبت أعمال الترميم بعد حريق 1995 المخططات القجرية الأصلية واستغرقت عدة سنوات. وفي عام 2005 حُوّل المبنى المُرمَّم إلى متحف البرلمان.

وفي عام 2017 تعرضت العمارة لهجوم إرهابي من تنظيم داعش استهدف المجمع البرلماني. صُدّ الهجوم، لكن الحدث ذكّر الأمة بمكانة هذا المبنى الراسخة في الحياة السياسية الإيرانية.

الدور في الثورة الدستورية

لعبت عمارة بهارستان دوراً محورياً في الثورة الدستورية الإيرانية التي اندلعت عام 1905 و1906. فبعد الانتصار الأول للثورة وإصدار فرمان المشروعية من طرف مظفر الدين شاه في التاسع من أغسطس عام 1906، شكّل المجلس الوطني الأول الذي انعقد داخل هذه العمارة. وقد مثّل هذا الحدث لحظة فاصلة في تاريخ إيران الحديث، إذ كانت المرة الأولى التي يجلس فيها ممثلون منتخبون من مختلف طبقات المجتمع لمناقشة شؤون الحكم ووضع قوانين للبلاد.

عبر الدورات البرلمانية الأربع والعشرين التي انعقدت داخل هذه الجدران، شهدت العمارة خطباً نارية ومناقشات حادة حول مستقبل إيران. ناقش النواب قوانين حول الإصلاح الزراعي والتعليم وحقوق المرأة والنفط، وشكّلوا حكومات وأسقطوها. كانت العمارة شاهداً على لحظات الانتصار القومي عند تأميم صناعة النفط، وعلى سنوات الحرب المفروضة من العراق، وعلى محاولات التحديث والإصلاح. كل جدار من جدرانها يحمل بصمات حقبة من تاريخ إيران المعاصر.

العمارة والتصميم

تمزج عمارة بهارستان بين الطراز الإيراني الإسلامي التقليدي والعناصر النيوكلاسيكية الأوروبية، مشكلة نمطاً قاجارياً هجيناً فريداً يعدّه الباحثون مثالاً بارزاً على العمارة المدنية الإيرانية في أواخر القرن التاسع عشر. يستلهم الواجهة الجنوبية من التصميم النيوكلاسيكي، فيما تتزين الواجهة الشمالية بعناصر مستوحاة من تيجان الأعمدة الأخمينية. والنتيجة مبنى ينظر شرقاً وغرباً في آن معاً.

كان المهندس الرئيسي ميرزا مهدي خان شقاغي، الملقب بممتحن الدولة، ويُعتبر أبا العمارة الإيرانية الحديثة. عمل أيضاً في مسجد سبهسالار وحديقة باغ فردوس وقصر مفخم في بجنورد. أما قاعة المرآة الشهيرة، أو تالار آينه، فقد صنعها يد أستاذ جعفرخان، أحد أبرز البنّائين في تلك الحقبة.

لوحات ومعارض داخل عمارة بهارستان
لوحات ومعارض داخل عمارة بهارستان

ماذا ترى في الداخل

تعمل العمارة اليوم مقراً لبلدية طهران، لكن أجزاء منها مفتوحة للزوار كمتحف البرلمان. تضم المعروضات لوحات ووثائق تاريخية وصوراً وأثاثاً من الحقبة الدستورية. وقد أُعيد ترميم القاعة الكبرى التي انعقدت فيها جلسات البرلمان بعناية، ويمكن للزائر أن يقف في القاعة نفسها التي ناقش فيها المشرعون الإيرانيون مستقبل الأمة عبر الثورة والحرب والتحديث.

يضم المجمع أيضاً مكتبة ومتحف ومركز وثائق مجلس الشورى الإسلامي، من أهم المكتبات المتخصصة في إيران. تحتوي على مخطوطات نادرة وكتب حجرية ووثائق من العصر الدستوري وأرشيف برلماني مهم.

كيفية الوصول

أسهل طريقة للوصول إلى عمارة بهارستان هي مترو طهران، الخط الثاني. انزل في محطة بهارستان، والعمارة على مسافة ثلاث دقائق سيراً من المخرج الشرقي. تمر عدة خطوط حافلات بساحة بهارستان وبمحطة ظهير الدولة القريبة.

افتح مهيار واحجز سيارة أجرة أو نظّم النقل من فندقك في طهران إلى ساحة بهارستان. إذا كنت تقود سيارتك، تذكّر أن الساحة تقع ضمن منطقة الازدحام في طهران، وتحتاج إلى شراء تصريح مرور يومي عبر نظام طهران من.

قاعة البرلمان في عمارة بهارستان
قاعة البرلمان في عمارة بهارستان

احجز فندقك في طهران عبر فنادق مهيار للإقامة على مقربة من المركز التاريخي للمدينة. تربط حافلات مهيار طهران بالمدن الإيرانية الكبرى، مما يسهّل إدراج عمارة بهارستان في برنامج ثقافي أوسع يشمل أيضاً قصر كلستان والمتحف الوطني الإيراني وسوق طهران الكبير.

نصائح للزيارة

تفتح العمارة عادة خلال ساعات العمل الحكومي، من السبت إلى الأربعاء. الدخول مجاني. خصّص ساعة إلى ساعتين لاستكشاف قاعات المتحف وقاعة البرلمان المُرمَّمة. يُسمح بالتصوير في معظم المناطق، لكن استأذن قبل استخدام الفلاش. المبنى متاح لذوي الاحتياجات الخاصة في الطابق الأرضي. يُنصح بارتداء حذاء مريح لأن أرضيات القاعات الرخامية قد تكون زلقة، وحمل زجاجة ماء خاصة خصوصاً في فصل الصيف. يُفضّل الحجز المسبق للمجموعات الكبيرة لضمان دخول سلس وتجنب الانتظار عند المدخل الرئيسي. كما يُستحسن البدء بالجولة من الطابق الأرضي ثم الصعود تدريجياً إلى القاعات العليا.

أفضل وقت للزيارة هو الربيع والخريف، حين يكون الطقس في وسط طهران لطيفاً والحدائق المحيطة في أوج اخضرارها. اجمع بين زيارتك وزيارة متحف الفنون الوطني القريب أو التوقف عند المقاهي التقليدية حول ساحة بهارستان.

قاعة المعرض في عمارة بهارستان
قاعة المعرض في عمارة بهارستان

معالم قريبة

تُحيط بساحة بهارستان معالم أخرى تستحق الاستكشاف. متحف الفنون الوطني، الواقع في قصر قاجاري سابق، يضم مصغرات فارسية وخطاً وفنوناً زخرفية. وقصر مسعودية، على مسافة قريبة سيراً نحو الغرب، قصر قاجاري آخر مُرمَّم بعناية. حديقة متحف نكاريستان القريبة تضم مجموعة مهمة من الأعمال الفارسية والأوروبية. ولمن يريد التعمق في التاريخ الملكي، متحف المجوهرات الوطني في شارع فردوسي أيضاً في المتناول.