عمود من الآجر ارتفاعه 23 متراً يقوم فوق تقاطع مزدحم في وسط تبريز، تحيط به الأشجار وشاحنات الإطفاء المصطفة، وقليل من المارّة يقرأ وظيفته الصحيحة. هذا برج آتش نشاني، أي برج الإطفاء، أول منشأة إطفاء في إيران، بُني في أواخر العهد القاجاري، واسمه الأصلي «يانقين» وهو في لغة الأذربيجانيين الأتراك بمعنى النار والحريق. ليس مئذنة ولا خزان ماء ولا حصناً، بل آلة غرضها واحد: رؤية الدخان. ولهذا تملك تبريز، لا طهران، أقدم استجابة منظمة للحريق في البلاد.

البرج مسجل في قائمة التراث الوطني الإيراني برقم 2011 سنة 1377 بالتقويم الإيراني، لدى منظمة التراث الثقافي والصناعات السياحية. أما اليوم فالفضاء الداخلي مقفل أمام الزوار، لذلك تُقرأ هذه القصة من الرصيف: من الآجر، ومن الفتحات، ومن المعدات المحفوظة في متحف الإطفاء وما بقي من التجهيز الأول.

برج آتش نشاني كما يُرى من أسفل، صفوف آجره المتناقصة تحت سماءٍ صافية
برج آتش نشاني كما يُرى من أسفل، صفوف آجره المتناقصة تحت سماءٍ صافية

ما برج الإطفاء في تبريز؟

في أبسط تعريف: هو برج مراقبة. تثقب الطابق العلوي ثماني فتحات ضوء موجهة إلى جهات مختلفة، حتى يستطيع المراقب في الأعلى أن يمسح المدينة كلها بنظر واحد، وكان حارس دائماً في نوبة هناك. وعندما يشاهد النار ويحدد موضعها يقرع الجرس المعلَّق من السقف. وكان رجال إطفاء تبريز، كما تصفهم مصادر تلك الفترة، من أكثر أقرانهم تجهيزاً، فيصلون بسرعة بأدواتهم الخاصة، ويسحبون الماء من خزانات المنازل المجاورة ليطفئوا الحريق.

هذا النظام هو أهمية المبنى التاريخية: نقطة مراقبة ثابتة، وحارس مأجور، وجرس، وطاقم مدرب. به تحول إطفاء الحريق من تجمع عشوائي للناس إلى خدمة عامة لها موقع قيادة. والبرج واحد من الأمثلة النادرة من نوعها الباقية إلى اليوم.

كيف بدأ الإطفاء المنظم في تبريز؟

برج آتش نشاني مضاء بالكاشفات ليلا، وفوقه راية وتحت منه مسارات ضوء السيارات
برج آتش نشاني مضاء بالكاشفات ليلا، وفوقه راية وتحت منه مسارات ضوء السيارات

أول أثر مقصود لخدمة إطفاء في إيران يقود إلى سنة 1221 بالتقويم الإيراني، وإلى تبريز تحديداً، المدينة التي تأسست فيها أول بلدية في البلاد وكانت تسمى آنذاك «بلديه». والحكاية في المصادر صريحة في الدافع: وكلاء روسيا القيصارية، سعياً إلى حماية أمنهم ومصالحهم في المدينة، خصصوا عدة لإطفاء النار وكبحها، فجهزوا عدداً من المضخات اليدوية مزدوجة الفعل المصنوعة من البرونز والنحاس. وكانت هذه الآلات قادرة على الإطفاء وحده، بلا أي مهمة إنقاذ، ولعل تسمية «آتشنشاني» ذاتها جاءت من هنا، أي ما يسكت النار.

وتبريز قدمت النموذج بعدها. فالوحدتان الثانية والثالثة من وحدات الإطفاء في إيران أنشأها الإنكليز في مدينتي آبادان ومسجد سليمان لحماية منشآت تكرير النفط فيهما، ولم تكن لهما وظيفة غير الإطفاء كما كان الحال في تجهيز الروس بتبريز. وبعد مئة عام على تلك البداية تجاوز عدد محطات الإطفاء في إيران 1200 محطة، وكلها يتفرع من تلك المضخات وذلك الجرس.

كيف كان البرج يعمل؟

طابق فانوس البرج بأقواسه المفتوحة وسقفه الأحمر، وفوقه راية مقابل السماء
طابق فانوس البرج بأقواسه المفتوحة وسقفه الأحمر، وفوقه راية مقابل السماء

مهندسو العهد القاجاري بنوا لغرض واحد: الارتفاع والضوء والصوت. مخطط البرج من الداخل دائري، ودرج حلزوني، وهو الأسلوب نفسه المستعمل في كثير من أبراج إيران ومآذنها، يصعد إلى الغرفة العلوية. وفي تلك الغرفة كان مصباح كبير يبقى مضاء دائماً. ففي زمن لم تكن فيه شبكات اتصال قام البرج مقام مقسم الهاتف، فأعلن الحوادث في أنحاء المدينة أسرع من أي رسول. وأما الضوء فأعطاه وظيفة ثانية لا تحتاجها مدينة لا ساحل لها: فقد صار «يانقين»، بفانوسه العلوي، منارة بحر لتبريز، يطمئن إليها مسافرو الليل فيعرفون أن المدينة قد قربت، ويمشون إليها ليسألوا عن بقية الطريق.

وأما الإعلام عن النار فكان بالصوت: ركب جرس برونزي كبير في الأعلى لأجل ذلك بالذات، وكان الطاقم يحمل البراميل على عربات ويجرها إلى الشارع الذي يدخّن، ثم يملؤها من خزانات البيوت القريبة. ومضخات اليد الأولى، من النحاس والبرونز مزدوجة الفعل، ما زالت محفوظة، وهي اليوم في متحف الإطفاء في تبريز، فيكون المتحف المحطة الطبيعية الثانية بعد البرج.

وأثر البرج خارج إيران مذكور في المصادر: منها ما يقول إن دولاً مثل فرنسا استقت تصميم أبراج المراقبة من هذا النموذج، ومنها ما ينسب إلى الإنكليز أنهم بنوا أبراج إطفائهم على مثال البرج التبريزي، وهو رأي يرى الباحثون أنه بحاجة إلى مزيد من التحقيق، فالأمانة ذكره احتمالاً لا حقيقة. والرواية الأولى أقرب إلى القبول، لأن النظام حل مشكلة حقيقية، والبرج باق برهاناً عليها.

برج رفع الراية السوداء أيضاً

يانقين ليس معلماً تقنياً فحسب، بل صار اليوم رمزاً لخدمة الإطفاء في البلاد. وعند استشهاد رجال إطفاء إيرانيين في حادثة مبنى بلاسكو، رفعت فوق البرج راية سوداء عبرت عن حداد مجتمع الإطفاء في إيران كله. ومن الجيد أن ترفع نظرك إلى سارية العلم قبل أن تمضي، فالراية التي ترفرف هناك تتغير بتغير المناسبات في التقويم.

أوقات الزيارة والتكلفة وما تراه فعلاً

لا يتيح برج الإطفاء زيارة داخلية، فلا شباك تذاكر ولا صعود منظم ولا ساعات فتح تلتزم بها. المشهد الخارجي متاح في كل ساعة من كل يوم، مجاناً. وأكثر الزوار يخصصون للزيارة ما بين ساعة وساعتين، لأن البرج نفسه لا يستغرق أكثر من دقائق، ثم تشغل شوارع البازار المجاورة ومتحف الإطفاء بقية الوقت.

واختر وقتك على أساس الضوء لا على أساس الوصول. ففي النهار يُقرأ الآجر كما هو: اللوحات الغائرة في الجدار، والنوافذ الصغيرة، والعقد عند القاعدة، وفتحات المراقبة الثماني في الطابق الأعلى. وفي الليل تعطي الإضاءة الكاشفة للبرج طابعاً آخر تماماً، وتغدو صورة العمود المضيء فوق مسارات ضوء السيارات من أجمل صور تبريز.

كيف تصل إلى برج الإطفاء؟

حافلة نقل سريع تمرّ في الشارع أمام برج آتش نشاني في تبريز
حافلة نقل سريع تمرّ في الشارع أمام برج آتش نشاني في تبريز

يقع البرج عند تقاطع شارع خاقاني وشارع بهادري، في مركز تبريز وعلى مرمى حجر من بازارها المغطى، فيصير إضافة سهلة إلى صباح في البازار لا رحلة قائمة بنفسها.

بالتاكسي. احجز تاكسي مهیار من فندقك واذكر تقاطع خاقاني وبهادري. هذا أقل الخيارات توتراً، لأن الشوارع ضيقة ولوحاتها ملتبكة، والسائق يعرف نظام السير ذي الاتجاه الواحد.

بالحافلات. إن استخدمت خطوط الحافلات السريعة فانزل في محطة المسجد الأزرق، ومن هناك نحو خمس عشرة دقيقة مشياً. ومع الخطوط الاعتيادية انزل في محطة خاقاني ثم امشِ سبع دقائق. وكلا المسارين يمر بك في الحي التجاري القديم، فتلقى الدكاكين والمخابز وبيوت الشاي في الطريق.

بالسيارة. لا تفعل. شارع خاقاني ذو اتجاه واحد، فإن كنت تقود فادخله من جهة ساحة دانشرا، من جانب بازار تبريز، ومساحات الوقوف نادرة في هذه المنطقة. وإن كنت تتجول في تبريز بسيارة مستأجرة فاتركها عند فندقك الذي حجزته عبر فنادق مهیار، وادخل المركز مشياً أو بالتاكسي.

الوصول إلى تبريز. حافلات مهیار تربط المدينة بطهران وبمحافظات الشمال الغربي، ورحلات مهیار الجوية تصل تبريز من طهران ومن مدن إيرانية أخرى. ومن نقطة الوصول كلها يفصلك عن البرج مشوار مباشر إلى المركز.

أسئلة شائعة عن برج الإطفاء

أين يقع البرج بالضبط؟ عند تقاطع شارعي خاقاني وبهادري في مركز تبريز، قريباً من ساحة دانشرا والبازار.

متى بني؟ في أواخر العهد القاجاري، برج مراقبة لأول منشأة إطفاء في إيران.

هل يمكن دخول الداخل؟ لا. الفضاء الداخلي مقفل، والزيارة تعني المشهد الخارجي الذي يُرى في أي ساعة.

كم التكلفة ومتى يفتح؟ المشاهدة مجانية، كل أيام الأسبوع وكل ساعات الليل والنهار، لأنه لا توجد مساحة مغلقة للزيارة.

كم تستغرق الزيارة؟ بين ساعة وساعتين إن جمعت البرج إلى شوارع البازار المجاورة أو إلى متحف الإطفاء الذي تُحفظ فيه المضخات اليدوية النحاسية الأصلية.

وبقيت ملاحظتان قبل الذهاب: البرج يُفهم مع المتحف، فمن دونه يبدو العمود الطوبي زخرفة لا آلة، وتقاطعه مزدحم بما يجعل التصوير وقوفاً قرب حركة السيارات. خطط له ضمن يوم أوسع في المدينة القديمة مع دليل مهیار عن معالم تبريز، أو ضمه إلى مسار جاهز في دليلنا عن أفضل الأماكن لزيارة تبريز.