غرب إيران يعرف ماءً لا تعرفه أكثر البلاد. في محافظة إيلام، داخل ثنايا زاغروس فوق الحدود العراقية، تنبع المياه من الحجر الكلسي وتسيل في أنهار صافية باردة عبر الأودية والسهول المزروعة، وكانت تلك المياه المتحرّكة قرونا طويلة تقوم بالعمل الذي قام به الوقود لاحقا: كانت تدير الرحى. ويبقى أثر ذلك في طواحين إيلام القديمة، وهي بقايا عشرات بيوت الطحن الحجرية الممتدّة في أودية المحافظة، والمدهش أن عددا منها ما زال يعمل حتى اليوم.
وليس الحديث عن اثر واحد له لافتة وشباك تذاكر، بل عن عائلة من المباني العاملة: أكثرها بلا اسم على أي خريطة، وبعضها لم يبق منه سوى جدار وحوض دولاب، وبعضها الآخر ما زال مسقوفا ومدهونا ويطحن. والموضع الذي يُذكر عادة بوصفه عنوانا للزيارة يقع على بعد كيلومترين غرب قرية كهره، في ناحية هليان التابعة لمقاطعة سيروان. وأما سائر الطواحين فمبعثرة في أنحاء المحافظة حيثما جرى الماء بقوة ترفع رحى.

لماذا في إيلام هذا العدد من الطواحين؟

جغرافيا إيلام تشرح هذا العدد. فالمحافظة جبلية زاغروية تشقّها أنهار سريعة وتغذّيها ينابيع، وفي كل مقاطعة من مقاطعاتها، ومنها إيلام ودرة شهر وشيروان وجارداول وسيروان وهليان وجوار وصالح آباد، جيوب زراعية تقوم على نبعة أو شلال. والقمح والشعير المزروعان في المصاطب لا بدّ أن يصيرا دقيقا في مكان ما، وقبل أن تصل الكهرباء الريفية إلى هذه الأودية كان الجواب في كل موضع يمكن تحويل مجرى الماء فيه وإسقاطه في قناة.
فالطواحين إذن صناعة شعبية لا عمارة بلاط. قناة من حجر أو تراب تأخذ الماء من الجدول وتحمله إلى نقطة فوق الدولاب، وسقوط الماء يدير الدولاب، والدولاب يدير عمودا، والعمود يدير الرحى داخل حجرة صغيرة، عادة غرفة حجرية قصيرة ذات باب واطئ، بُنيت بحيث يُدخل القمح على دابة ويخرج الدقيق في أكياس. ولأن منسوب نبع زاغروزي يعلو وينخفض مع ذوبان الثلج، كانت هذه آلات موسمية بقدر ما هي مبان دائمة: عاملة في الأسابيع التالية للحصاد، متوقفة حين ينخفض الماء.
ولهذا السبب تستحق الطواحين الباقية أن تُرى. فمصنع دقيق حديث في مدينة لا يخبرك شيئا عن حياة القرية في زاغروس، أما غرفة حجرية نديّة فيها دولاب خشبي ما زالت على أطرافه أخاديد الاستعمال، فتخبرك بكل شيء.
طاحونة كهره
الموضع المعدّ للزيارة يقع على بعد كيلومترين غرب قرية كهره، في ناحية هليان من مقاطعة سيروان. وهو موضع نموذجي لا استثنائي: أرض عند واد، ومجرى ماء، وبنية طاحونة قريبة من الحقول التي كانت تخدمها. والوصول إليه يعني أن تبلغ هليان أولا ثم القرية، وما إن تصل إلى كهره حتى يصير الكيلومتران الباقيان سالكين مشيا أو بسيارة محلية على مسالك زراعية.
والأهم أن هذا الموقع عيّنة لا حالة فريدة. فسجل طواحين إيلام التاريخية يذكر عشرات منها، أسماؤها مأخوذة من الينابيع أو القرى أو الأسر التي امتلكتها وعملت فيها. وهذه أبرز الأسماء الباقية بحسب النواحي:
حول إيلام ومنطقة بانقلان: قبا، وكاظم بگه تنوره خان، وكلاي، وتشگاوزه، ويوسف، وقبادبگ، وباوي گمار، وگريان، وخندان، ونادريژ.
في منطقة چم آب: موسى، وحلاج آباد، وچم آب.
حول جوار وصالح آباد ودرة شهر وشيروان وجارداول: ديزله، وچم سارد، ورحمان، وچم بور، وملكشاهي، وميراختيار، وبولي ها، وكوله، وسرني، وميمه، وجلان، وشيخ مكان، وسراب كلان.
بعض تلك الأسماء يدلّ على مبان ما زالت تعمل، وبعضها على خراب، والقائمة نفسها خريطة مفيدة للمواضع التي التقى فيها الماء والحبوب في هذه المحافظة. وإن أردت أن ترى دولابا يدور فعلا، فالطريق الصادقة أن تسأل محليا، في القرية أو في أقرب بيت شاي: أي طاحونة كانت آخر العاملات ومتى؟ لأن المعلومة تتغيّر بتغيّر الفصل وبتغيّر الطحّان نفسه.
كيف تصل إلى طواحين إيلام؟
مدينة إيلام هي مركز الانطلاق، والطواحين مبعثرة حولها لا مجمّعة في موقع واحد، فخطّط لواحدة أو اثنتين في المرة، لا لسلسلة أسماء.
بالطائرة أو الحافلة. لإيلام مطار له رحلات داخلية، ومحطة حافلات على الطريق القادم من طهران. احجز أيّا من المرحلتين عبر طائرات مهیار أو حافلات مهیار قبل السفر، لأن غرب إيران قليل الخدمة، والمشكلة هنا ليست السعر بل توفّر المقعد أصلا.
بتاكسي مهیار ليوم كامل. بعد الوصول إلى إيلام يكون الحل العملي سيارة خاصة بسائق ليوم كامل. احجزها من تاكسي مهیار من فندقك وحدّد للسائق الناحية التي تريدها: هليان وكهره إن أردت الموقع المذكور أعلاه، أو طريق درة شهر وجارداول إن أردت أودية الينابيع أبعد شمالا. وفي هذه المنطقة يخفت تغطية التطبيقات بعد المدن، فاتفق هاتفيا على نقطة العودة قبل أن تغادر المدينة، ودع السائق ينتظرك بدلا من أن تعوّل على توصيلة ثانية.
التاكسي المشترك وسيارات القرى. بعد مراكز المقاطعات تتحرّك الناس بالتاكسي المشترك وسيارات النقل الصغيرة، وهذا هو الميل الأخير الذي لا يغطّيه أي تطبيق. يرتّبه مكتب فندقك أو السائقون عند المحطة المحلية، لكن احسب له وقتا لا مالا.
بالقيادة الذاتية. الطرق إلى هليان وعلى ممر درة شهر سالكة في الطقس المعتاد، وضباب الجبال والمطر عند الممرات هما المشكلة الفصلية الرئيسية. اركن في القرية وامشِ آخر المسافة، لأن بوابات المسالك والدخول إلى الحقول غير رسمية، ومن السهل أن تسدّ طريق مزارع من دون أن تنتبه.
كم تدفع وكم تبقى وماذا تتوقع؟
الدخول: مجاني. هذه آثار مفتوحة وليست مرفقا مُدارا.
مدة الزيارة: من ساعة إلى ساعتين لطاحونة واحدة، وهذا يكفي للالتفاف حولها والنظر في حجرة الدولاب وتصوير مجرى الماء. وأضف زمن القيادة بسخاء.
ساعات العمل: لا ساعات منشورة، لأنه لا توجد بوابة. وبعض الطواحين على أرض خاصة أو إلى جوار حقول عاملة، فاليوم والفصل هما جدولك الوحيد.
الخدمات: لا تفترض شيئا. لا موقف سيارات، ولا لافتات تعريف، ولا متجر عند الطاحونة. خذ ماء معك، وأخرج ما أدخلته معك.
الحالة: متفاوتة. تحمل المحافظة كل شيء، من غرفة مسقوفة بدولاب يدور إلى جدار أساس واطئ ابتلعه العلّيق، ولا تشبه زيارة زيارة.
متى تكون أفضل زيارة؟

اذهب حين يكون الماء عاليا والحبوب قد تحرّكت. أواخر الشتاء والربيع، حيث يذوب الثلج ويغذي الينابيع وتخضرّ بطون الأودية، هما أفضل نافذة للتصوير ولفرصة أن تجد طاحونة عاملة فعلا. وأواخر الصيف هو حين ينخفض الماء وتصمت الطواحين، وإن كان الطقس آنذاك أجمل ما يكون لقيادة الطرق الجبلية إلى المواضع الأبعد. والخريف لطيف وهادئ، وموسم الحصاد هو الأرجح أن تسمع فيه أن طاحونة كانت مشغولة.
وإن سافرت في عيد النوروز، إذ يتنقل الإيرانيون بأعداد كبيرة وتبلغ زاغروس أشدّ حالاتها خضرة، فاحجز المراحل البينية والإقامة مبكرا واستبقي سائقا، لأن شيئا في هذه المحافظة لا يجري على جدول يمكنك الاعتماد عليه في آخر لحظة. وراجع دليلنا عن أفضل وقت لزيارة إيران للصورة الأوسع.
زيارة محترمة
الطاحونة التي تطحن مكان عمل، والطاحونة الخربة غالبا على أرض ما زالت أسرة بعينها تحرثها. استأذن قبل أن تدخل الحجرة، ولا تطأ الدولاب ولا أخشابه، ولا تحرّك حجرا ولا لوحا لتحصل على صورة أفضل، لأن الأخاديد وعلامات الاستعمال هما كل قيمة المكان. وإن كان طحّان يعمل وأردت المشاهدة، فتلك عادة بداية حوار طويل مرحّب به، سيكون للشاي فيه نصيب.
تحفّظ صادق
السجل المنشور عن طواحين إيلام المائية ضعيف. فطواحين المحافظة موثّقة في قوائم أسماء ومواضع أكثر بكثير مما هي موثّقة في مسوح معمارية، ولا يوجد مركز زوّار ولا شرح معلّق ولا مسار منسّق يجمعها. وهذا نقص بالنسبة إلى المسافر، وهو في الوقت نفسه سبب استحقاق الموضوع للعناء: هذه بقايا اقتصاد جبلي ما زالت قائمة إلى جوار الينابيع التي بنتها، ومع انتشار الكهرباء الريفية صمتت أكثر طواحين إيران، وبقي في إيلام بعضها يدور.
أتمم الرحلة ببقية معالم المحافظة عبر دليلنا عن السياحة في إيلام، وإن كنت تبني مسارا في غرب إيران يشمل المرتفعات الكردية، فاحجز مراحل القيادة عبر مهیار حيث يغطّيها التطبيق، واتّفق مع سائق حيث لا يغطّيها.