في الجنوب الشرقي من مدينة كرمان يرتفع أرضُ السهل المنبسط فجأة إلى كتفٍ صخري، وعلى ذلك الكتف تقف بضعة جدران هائلة من الطوب النيء. هذه هي قلعة أردشير، الحصن الذي يُنسب بناؤه إلى أردشير بابكان مؤسس الدولة الساسانية، وهو أحد آثار إيران ما قبل الإسلام الذي ما زال يتحكّم بمنظر المدينة التي شُيِّد لأجلها. ترتفع التلة نحو 150 مترا فوق سهل كرمان، لذلك لم تحتج القلعة يوما إلى لافتة تُعرّف بها؛ فهي ظاهرة على الأفق من كل مكان في الأحياء الجنوبية.
والأفضل أن تعرف قبل الذهاب أن هذا ليس موقعا سياحيا مُرمَّما ومرويا بعناية. لا شباك تذاكر، ولا ممشى مُعدّ، ولا لوحة تفسيرية عند المدخل. قلعة أردشير حصن متآكل على قمة تلة التفت حوله المدينة، وجاذبيته تكمن في هذا بالضبط: أنت تصعد موقعا دفاعيا ساسانيا حقيقيا، وتقرأ بنيته بنفسك، وتطلّ على السهل نفسه الذي جعل المكان جديرا بالحراسة.

أين تقع قلعة أردشير؟

تقع القلعة على تلة في جنوب شرق مدينة كرمان، مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه في جنوب شرق إيران. وهي داخل النسيج العمراني للمدينة لا خارجها، وقد أحاطت بها البيوت من كل جانب، وأُنشئ حول الأثر حزام أخضر في السنوات الأخيرة، وما زالت بعض البنى القديمة قائمة في حريم القلعة المباشر.
ولما كانت التلة ترفع نفسها عاليا عن السهل، فإن الموقع كان يتحكّم بالمدخل القديم إلى المدينة من جهة الجنوب الشرقي، وهذا هو سبب بنائه من الأصل. وكانت القلاع الجبلية من هذا الطراز تؤدي وظيفتين في إيران ما قبل الإسلام: حماية مواقع السلطة الحاكمة وتخزين عدّتها العسكرية، والتحوّل عند غزو مفاجئ إلى ملاذ يختبئ فيه أهل السهل. وقلعة أردشير تنتمي إلى هذا التقليد بوضوح، ويرى الباحثون أنها شُيِّدت لأغراض عسكرية ودفاعية.
كيف تصل إلى قمة التلة؟

كرمان هي نقطة الانطلاق، والقلعة مسافة قصيرة داخل المدينة وليست رحلة خارجها. احسب لها من تسعين إلى مئة وعشرين دقيقة على الأرض، لا نصف يوم.
بالتاكسي من مهیار. هذا أسهل طريق بفارق كبير. افتح مهیار واختر تاكسي وحدّد القلعة وجهة انطلاقا من مكان إقامتك في الوسط. اطلب من السائق أن ينزّلك حيث يبدأ المسار وأن ينتظرك، أو احجز رحلة العودة في وقت محدّد سلفا، لأن القمة ليست على خط سير تاكسي تستطيع إيقافه هناك بسهولة. شوارع كرمان القديمة ضيقة وذات اتجاه واحد في مواضع كثيرة، فالنزول في الطرف الصحيح من التلة يوفّر عليك مشيا بلا ظل.
بحافلات مهیار أو طائرات مهیار إلى كرمان ثم تاكسي. كرمان محطة بعيدة على طرق الهضبة، وإذا وصلت بالحافلة أو بالطائرة فالقلعة رحلة قصيرة من موضع هبوطك. احجز مرحلة الوصول عبر مهیار، ثم احجز تنقّلك داخل المدينة من التطبيق نفسه حتى لا تجد نفسك تتفاوض على الطريق في مدينة لم ترها من قبل.
سيرا من الأحياء الجنوبية. إن كنت تقيما في الجنوب الشرقي من المدينة وكان الجو رحيما، فالمشي إلى القمة جزء من المتعة، لأن المنحدر المدرّج يريك كيف تزحف المدينة نحو الأثر منذ قرن. البس حذاءً حقيقيا، فالمسار مسار تلة لا درج له درابزين.
بالسيارة الخاصة. يمكنك أن تقود جزءا من الطريق صعودا، لكن الوقوف قرب القمة محدود والشوارع المحيطة غير مصمّمة له. القرار الصائب أن تركن في شارع فرعي عند السفح ثم تصعد.
أردشير وهفتواد: الحكاية في الشاهنامه
تحمل القلعة اسم أردشير بابكان لأنها واحدة من عدة قلاع تُنسب إليه في هذه المنطقة. فقد بنى قلاع أخرى في مواضع من فارس الحالية من بينها فيروزآباد، والنمط واحد: سلالة جديدة تثبّت سلطانها بحصون عند أفواه السهول والممرات. ويسمّيها أهل كرمان محليا أيضا «قلعة كوه»، أي قلعة الجبل، لأنها شُيِّدت على قمّة جبلية.
وللمكان نسب أدبي أيضا، وهو أمر نادر لأثر خراب من هذا النوع. فكتاب «كارنامه أردشير» و«شاهنامه» الفردوسي كلاهما يحمل الحكاية الملتصقة بهذه التلة. في تلك الرواية يقوم هفتواد، وهو ذو نفوذ في كرمان، بهزيمة الحاكم المحلي ويبني لنفسه حصنا منيعا على مرتفع قرب المدينة، فعُرف بحصن هفتواد. ويقول الفردوسي في بيت له: «بنى حصنا على حدّ الجبل، فصار ذلك البلد كله معه في جملة». ولمّا بلغ أردشير بابكان تماديه في السلطة زحف إلى كرمان مرات فهُزم، حتى فتحها في آخر الأمر بالحيلة. ثم شيّد على المرتفع معبدا للنار المقدسة وغيّر اسم الحصن إلى قلعة أردشير. وتذكر الرواية نفسها أن حاكم كرمان في تلك الأيام كان من الأشكان، أي من السلالة الأشكانية الفرثية، وهو ما يضع الحكاية عند المفصل بين إمبراطوريتين.
وسواء قرأت ذلك تاريخا أو أسطورة سلطانية، فهو يفسر أمرا حقيقيا في المكان: هذه القمة أُعيد سكنها وتسميتها باستمرار، وكانت هويتها بوصفها مقرا للسلطة أهمّ من أي بانٍ منفرد.
ماذا ترك البناة؟

المعمار هو سبب المجيء. شُيِّدت قلعة أردشير حصنا ترابيا من الطوب النيء، وأبعاد الطوب المستعمل هنا أكبر من الطوب المعتاد. والأسوار الباقية مهولة السمك، إذ يبلغ سُمك الجدار عند قاعدته نحو ستة أمتار، وهذا يخبرك كيف كان متوقعا أن يُهاجَم الموقع: من بعيد وبقوة تحتاج إلى كتلة من الجدران لامتصاصها.
وينقسم البناء إلى قسمين. أحدهما على التلة الرئيسية في الجنوب الشرقي، وهو قسم البنيان في قلعة الجبل. والآخر على تلة أقصر قربها، ويُعرف محليا باسم معبد نار أناهيد. والمسافة بينهما قريبة إلى حد يجعل من المرجّح أنهما كانا مترابطين، ويقرأ الباحثون الموقع الأدنى، المعروف باسم «قلعة دختر»، ملحقة دينية للحصن الأعلى، أي مكان عبادة الإلهة أناهيد. وبين القمتين لا تزال تميّز بقايا مبان تشبه قصرا ومعابد ومرافق خدمية لموقع محروس. ومجرد أن المكان حمل كل هذا يدلّ على أنه كان في عهد أردشير عامرا، لا ثغرا مهجورا.
وفي الجهة الجنوبية يصخر جرف عالٍ. وكان المدخل التاريخي يُشقّ في ذلك الجرف: درجات نحتت من منتصفه تقريبا، وقد عدّها العالِم ساكس بمئة وأربع وثلاثين درجة. ويعرّف ساكس وغيره هذه المصطبة بأنها «نقّاره خانه»، أي دار الطبلة، الموضع الذي كان يُدَقّ فيه طبل الإنذار والإعلان إلى السهل أسفل. وقد عُثر في القلعة على قطع من الكاشي عليها صور من مجالس اللهو والولائم، وهذا التفصيل هو ما جعل الباحثين يجادلون بأن المكان لم يكن عسكريا فحسب، بل كانت بعض مبانيه تستضيف الولائم والبلاط أيضا.
ما عليه الأثر اليوم

اذهب وتوقعاتك صادقة، لأن الصورة متفاوتة. لقلعة أردشير تصميم بديع وفريد، لكن أجزاء واسعة منها ضاعت، وأخذت التعرية من القلعة ومن رفيقتها قلعة دختر نصيبا ثقيلا. ولا يوجد حول الأثر سياج حماية ولا حريم محدّد، وهذا أكثر ما يحزن في زيارته. فقد نُصبت في سنوات سابقة أبراج اتصالات على أعلى نقاط القلعة بأُسُس مغروسة في صلب البناء، فأحدث ذلك ضررا حقيقيا. والدرس، كما يقوله المعنيون، أن حريما محميّا كما ينبغي كان سيقي البناء هذا النوع من الأذى بعينه. وموقع القمة على ظهر الجبل يشبه إلى حد كبير قلعة فلَك الأَفلاك في محافظة لرستان، ومع ذلك فلم تُجرَ في موضع قلعة أردشير حتى الآن أعمال تنقيب أو دراسة جدّية قابلة للذكر.
وفي المقابل، فإن بُعد القمة عن النسيج التاريخي المكتظ حماها من بعض ضغوط البناء الحديث، ولم تعد الحالة إهمالا كاملا. فقد أعلنت دائرة التراث الثقافي في محافظة كرمان أن الفضاء حول القلعة تحوّل إلى مساحة خضراء، وأن ترميمها أُدرج رسميا في خطتها سنة 1395 بالتقويم الإيراني. وأثناء أعمال التقوية والترميم بين سنتي 1395 و1397 عُثر على فخار، وكاشي بتقنيتي الزرين فام والمعرّق، وقطع من الجص المنجور، وآجر وطوب معماري. ومن أهم تلك اللقى أوانٍ تبدو أشكانية ساسانية، وسلسلة واسعة من الفخار الإسلامي من القرون الأولى والوسطى والمتأخرة، وأول نماذج الكاشي الزرين فام تُعرَف من كرمان، ولن يروي لك أحد هذه القصة في الموقع، ولهذا جاءت القراءة السابقة بالزيارة كلها.
ساعات العمل والتذاكر وكم من وقت تحتاج؟
الدخول: مجاني. لا رسوم لزيارة قلعة أردشير.
مدة الزيارة: يقضي معظم الزوار بين ساعة وساعتين، بحساب الصعود والمشي بين القمتين والتصوير.
ساعات العمل: لعدم وجود بوابة أو موظفين، فالمكان مفتوح عمليا، وحدّه الأقصى ضوء النهار وشدّة الحر. اذهب صباحا باكرا أو في الساعتين الأخيرتين قبل الغروب، حيث يتحوّل لون الطوب النيء إلى الذهبي. والظهيرة في الصيف قاسية، والظلّ على القمة المكشوفة شبه معدوم.
الوصول: القمة تُدرك مشيا على مسار تلة. خذ ماء، وخذ حذاء جيدا الإمساك، وتوقّع مواضع رخوة حيث انهارت أجزاء من البناء.
التسجيل: سُجّل الأثر في قائمة الآثار الوطنية الإيرانية في الأول من فروردين سنة 1345 بالتقويم الشمسي.
أسئلة تتكرر
أين تقع قلعة أردشير بالضبط؟ على تلة في جنوب مدينة كرمان مركز المحافظة في جنوب شرق إيران، على ارتفاع نحو 150 مترا فوق السهل المحيط.
من بنى قلعة أردشير؟ تُنسب إلى أردشير بابكان مؤسس الدولة الساسانية، وهي ضمن تحصيناته التي شملت فيروزآباد ومواضع أخرى في فارس.
أي حكاية من الشاهنامه ترتبط بها؟ حكاية هفتواد الذي بنى حصنا على حدّ الجبل قرب كرمان، ولم يقدر أردشير بابكان عليه بالقوة حتى أخضعه بالحيلة.
ما حال الأثر الآن؟ عدا أبراج الاتصالات التي نُصبت عليه، لا حريم ولا حارس حول القلعة، ولم يبق منها سوى أسوار متآكلة وأسس مبان.
كيف تجعلها جزءا من يوم في كرمان
تصلح قلعة أردشير أفضل ما تكون بداية يوم أو خاتمته في كرمان: طبقة المدينة العليا على التلة قبل أن تنزل إلى شوارعها وأسواقها. ابنِ بقية برنامجك من دليلنا عن السياحة في كرمان، وإن كنت مكمّلا شرقا، فاحجز المراحل الطويلة والتنقلات داخل المدينة من التطبيق نفسه الذي حجزت منه التاكسي إلى التلة.
وملاحظتان للمسافر الأجنبي: كرمان مدينة نقدية، والفئات الصغيرة مهمة مع سائق يوصلك إلى تلة وينتظرك، فاقرأ موضوع الدفع في إيران قبل الوصول. وإذا أردت جنوب إيران على حقيقته، فاجعل كرمان قاعدة إقامة لا ليلة عبور.
اصعد التلة عندما يكون الضوء واطئا. فالطوب صُنع من التراب الذي تقف عليه، وعند الغروب تبدو القلعة كلها وكأنها نبتت من السهل لا أنها بُنيت فوقه.