امشِ في الأروقة المسقوفة لبازار عبدالحميد في صباح أهوازي دافئ، وستجد نفسك في عالم لم يتغيّر كثيراً منذ أن كانت سلالة القاجار تحكم إيران. العقود الطوبية فوق رأسك ظلت تظلّل التجار والمتسوقين لأكثر من قرن. رائحة الهيل والكركم تتسلل من بسطات التوابل، وهمهمات المساومة تتردد على الجدران، وصوت ذهب يلمع في واجهة صائغ بين الحين والآخر يُذكّرك أن هذا كان يوماً منصة التداول لعائلات خوزستان الأكثر ثراءً. بازار عبدالحميد ليس مجرد سوق، بل هو أقدم مجمع تجاري قائم في الأهواز، ومسجّل في قائمة التراث الوطني، ومن أكثر الأماكن أجواءً في جنوب إيران.

رواق مسقوف داخل بازار عبدالحميد الأهواز
رواق مسقوف داخل بازار عبدالحميد الأهواز

أين يقع بازار عبدالحميد؟

يقع البازار في المنطقة المركزية بمدينة الأهواز، عاصمة محافظة خوزستان في جنوب غرب إيران. عنوانه على شارع نظامي (المعروف أيضاً بشارع نظري بور)، بين شارع نادري وشارع الإمام الخميني. يضعه هذا الموقع على مسافة مشي من واجهة نهر كارون، والجسر الأبيض (بول سفيد)، ومعالم أخرى من عصر القاجار، مثل بيت نفيسي وبيت دادرس. الأهواز نفسها مدينة كبرى يقطنها نحو 1.3 مليون نسمة، وتقع على ضفاف نهر كارون، النهر الوحيد الصالح للملاحة في إيران، والذي كان شرياناً تجارياً منذ آلاف السنين.

الموقع المركزي للبازار يعني أنه سهل الدمج مع معالم أخرى في الأهواز القديمة. يمكنك المشي من البازار إلى الواجهة النهرية في عشر دقائق، والجسور والبيوت التاريخية من عصر القاجار كلها على مسافة قريبة بالسيارة.

نبذة تاريخية

يعود بازار عبدالحميد إلى عصر القاجار (1789 إلى 1925)، الحقبة التي كانت الأهواز تتحوّل فيها من محطة تجارية إقليمية إلى مركز تجاري كبير. كان نهر كارون منذ زمن بعيد طريقاً للبضائع المتنقلة بين الخليج الهضبة الإيرانية، وكانت الأهواز تقع عند نقطة محورية على هذا الطريق. خلال العصر القاجاري، بنى تجار المدينة أسواقاً مسقوفة لحماية بضائعهم من الحرارة الشديدة والرطوبة في صيف خوزستان، وكان بازار عبدالحميد من أهمها.

في أوج ازدهاره، كان البازار وجهة التسوق المفضلة للعائلات الثرية في المنطقة. كانوا يقصدونه لشراء التوابل المستوردة من الهند والخليج، والمنسوجات من أصفهان وكاشان، والمصنوعات الذهبية التي يصنعها الحرفيون المحليون، والأدوات المنزلية من مختلف أنحاء إيران. لم يكن البازار مكاناً للتجارة فحسب، بل كان ملتقى اجتماعياً تنتقل فيه الأخبار، وتُبرم فيه الصفقات، وتُدار فيه الحياة الاقتصادية لجنوب إيران.

بائع توابل وأعشاب على بسطة أرضية في البازار
بائع توابل وأعشاب على بسطة أرضية في البازار

سُجّل البازار رسمياً في قائمة التراث الوطني الإيراني عام 2003 (1382 في التقويم الإيراني)، اعترافاً بأهميته المعمارية والثقافية. واليوم لا يزال سوقاً عاملاً، رغم أن البضائع تغيّرت إلى حد ما لتعكس الطلب المعاصر.

بيت دادرس

من أبرز ما يميّز بازار عبدالحميد احتواؤه على بيت دادرس (سراي دادرس)، أحد المساكن القاجارية الباقية في الأهواز. بيت دادرس يشبه معمارياً بيت نفيسي الأشهر، وهو قصر قاجاري آخر في المدينة، ويقدّم لمحة عن الحياة السكنية للطبقة التجارية في الأهواز خلال القرن التاسع عشر.

يتميز البيت بالعناصر المعتادة للعمارة القاجارية في خوزستان: جدران طوبية سميكة لعزل الحرارة، وأفنية داخلية للتهوية، وعناصر زخرفية تعكس ثراء وذوق العائلة التي بنيَت له. زيارة بيت دادرس جزء من تجربة البازار، وتُضيف بُعداً سكنياً إلى ما هو في الأصل فضاء تجاري.

أروقة بيت دادرس الطوبية وعقوده داخل البازار
أروقة بيت دادرس الطوبية وعقوده داخل البازار

ماذا تشتري وماذا تتوقع

اليوم، بازار عبدالحميد مزيج من التسوق التقليدي والعملي. تجد فيه بسطات تبيع التوابل (بما في ذلك التوابل المحلية المستخدمة في المطبخ الخوزستاني، مثل الأَدوية للقليّة ماهي)، والحلويات مثل الرانكك والقوّاتو، والمصنوعات الذهبية (الأهواز لها تقليد عريق في صناعة الذهب)، والأدوات المنزلية، والملابس، والأقمشة. الأجواء فيها طابع قديم بامتياز، مع ممرات مسقوفة ضيقة، وعقود طوبية، وحركة دائبة.

واجهة زجاجية لصائغ مليئة بأساور الذهب والفضة
واجهة زجاجية لصائغ مليئة بأساور الذهب والفضة

الأسعار في البازار عموماً أقل منها في المراكز التجارية الحديثة، والمساومة متوقّعة. التجار معتادون على الزوّار، والأجواء ودية دون إلحاح. إن كنت تبحث عن هدايا تذكارية تعكس ثقافة جنوب إيران، فهذا المكان المناسب.

تاجر يرتب الأوشحة والمنسوجات على بسطته
تاجر يرتب الأوشحة والمنسوجات على بسطته

كيف تصل إلى هناك

بسيارة مهیار. أبسط طريقة للوصول إلى بازار عبدالحميد هي فتح مهیار وحجز سيارة أجرة إلى عنوان البازار على شارع نظامي. السائق سيعرف الموقع، ويمكنك أن تطلب النزول عند أقرب مدخل. سيارات مهیار تغطي الأهواز والمدن المحيطة.

بحافلات مهیار. إن كنت قادماً من مدينة أخرى في خوزستان، مثل آبادان أو خرمشهر أو شوشتر، تحقق من التطبيق في مهیار لجداول الحافلات بين المدن. الأهواز هي محور النقل الرئيسي في المحافظة، ومن محطة الحافلات، رحلة قصيرة بالسيارة ستوصلك إلى البازار.

بالسيارة الخاصة. إن كنت تقود، لاحظ أن الوقوف في منطقة البازار المركزية قد يكون صعباً، خاصة في ساعات الذروة. الوقوف في الشارع متاح في شارعي نظامي ونادري، لكن الأماكن تمتلئ بسرعة. فكّر في الوقوف على مسافة أبعد قليلاً والمشي.

سيراً على الأقدام. إن كنت تقيم قرب واجهة نهر كارون أو في المنطقة المركزية، فالبازار على مسافة مشي مريحة. المشي من الجسر الأبيض يستغرق نحو عشر إلى خمس عشرة دقيقة.

أفضل وقت للزيارة

الأهواز ذات مناخ شبه جاف حار، مع درجات حرارة صيفية تتجاوز 45 درجة مئوية بانتظام ورطوبة عالية (تُعرف محلياً بالشرجي). أفضل وقت لزيارة بازار عبدالحميد هو خلال الأشهر الباردة، من أواخر أكتوبر حتى أوائل أبريل. في هذه الفترة، تكون درجات الحرارة النهارية لطيفة، ويمكنك استكشاف البازار والمدينة القديمة القديمة براحة.

حتى في الصيف، توفّر الأروقة المسقوفة للبازار ظلاً وأجواء أبرد من الشارع المكشوف، لكن الحرارة والرطوبة العامة في الأهواز خلال يوليو وأغسطس قد تكون ساحقة. إن اضطررت للزيارة صيفاً، اذهب في الصباح الباكر (قبل العاشرة) أو في المساء، عندما يكون البازار نشطاً وتنخفض الحرارة قليلاً.

نصائح عملية

  • مدة الزيارة. خطّط لساعة إلى ساعتين للمشي في البازار، وزيارة بيت دادرس، وتصفّح البسطات بإيقاع مريح.
  • لا توجد رسوم دخول. البازار مفتوح للجمهور، ولا توجد تكلفة للدخول.
  • النقد هو الملك. رغم أن بعض المحلات الكبيرة قد تقبل البطاقات، إلا أن الكثير من البسطات الصغيرة تعمل بالنقد فقط. احمل الريالات الإيرانية.
  • الباس المتواضع. كما في أي بازار تقليدي في إيران، اللباس المتواضع مناسب. الأقمشة الخفيفة القابلة للتنفس ضرورية في الأشهر الأدفأ.
  • ادمج مع معالم قريبة. البازار قريب من نهر كارون، والجسر الأبيض، والجسر الأسود (بول سيه)، وبيت نفيسي، وحي لشكرآباد. خطّط لجولة مشي لنصف يوم في الأهواز القديمة.
  • جرّب طعام الشارع. المنطقة المحيطة بالبازار فيها طعام شارع ممتاز، بما في ذلك الفلافل (تخصص خوزستاني، خاصة في منطقة لشكرآباد)، والسمبوسة، وحلويات التمر الطازجة.
  • التصوير مرحّب به، لكن اطلب الإذن قبل تصوير التجار الأفراد أو بسطاتهم.

ساعات العمل والوصول

يعمل البازار وفق ساعات السوق الإيرانية المعتادة. معظم المحلات تفتح في التاسعة صباحاً وتغلق في التاسعة مساءً، رغم أن بعضها قد يُغلق بعد الظهر في الصيف. الجمعة يوم عمل عادي، رغم أن بعض المحلات قد تُغلق لصلاة الجمعة في أوائل بعد الظهر. البازار متاح على مدار العام، لكن كما أُشير، حرارة الصيف قد تكون شديدة.

البازار في مستوى الشارع ويمكن الوصول إليه عموماً، رغم أن الممرات المسقوفة ضيقة وقد تكون صعبة للكراسي المتحركة أو عربات الأطفال الكبيرة في الأوقات المزدحمة.