حين سافر أنتوني بوردين إلى إيران عام 2015 ضمن برنامجه على شبكة سي إن إن أجزاء مجهولة، جلب فضوله المميز وقناعته بأن الطعام هو أسرع طريق لفهم ثقافة. النتيجة كانت من أكثر حلقات مسيرته مشاهدة ومناقشة، مقدمة للجمهور الغربي نظرة نادرة إنسانية المقياس لبلد يُختزل غالباً في عناوين سياسية. الحلقة نالت جائزة إيمي ولا تزال من أهم أعمال الصحافة الثقافية عن إيران التي أُنتجت لجمهور أمريكي.
إيران بوردين لم تكن بلد العقوبات والدبلوماسية التي تهيمن على التغطية الإخبارية. كانت مكاناً بكرم ضيافة استثنائي حيث دعا غرباء إلى منازلهم وحيث علمته الجدات وصفات توارثتها أجيال وحيث أصبحت المائدة نقطة التقاء بين ثقافات أبعدتها الأنظمة السياسية. بالنسبة للمسافرين الإيرانيين وعشاق الطعام يقدم أسلوب بوردين في التعاطي مع إيران نموذجاً لكيفية الانخراط في البلد: عبر مطابخه وأسواقه وكرم أهله.

سياق الزيارة
وصل بوردين إلى إيران في وقت كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية تشهد انفراجاً حذراً. الاتفاق النووي الشامل المشترك كان قد وُقع في وقت سابق من ذلك العام وكان هناك إحساس بأن التبادل الثقافي قد يتبع المشاركة الدبلوماسية. بوردين رأى الفرصة وتحرك بسرعة للتصوير في بلد كان مغلقاً إلى حد كبير أمام منتجي التلفزيون الأمريكيين لعقود.
فريق العمل صوّر في مواقع متعددة عبر إيران بدءاً من طهران وسفر إلى مدن ومناطق أخرى. ما جعل الحلقة مميزة لم يكن الطعام فحسب بل الوصول الذي حصل عليه بوردين إلى حياة الإيرانيين العاديين. جلس في غرف المعيشة وأكل على موائد العائلات وأجرى محادثات كانت ستستعصي على معظم الصحفيين الغربيين العاملين ضمن قيود الجولات الرسمية الموجهة.
ما وجده بوردين في إيران
الحلقة أخذت بوردين عبر عدة مدن إيرانية من طهران إلى ساحل بحر قزوين يتذوق أطباقاً لم يرها كثير من المشاهدين الغربيين من قبل. أكل قورمه سبزي اليخنة العشبية الوطنية في مطبخ منزلي. جرب فسنجان الصلصة الغنية بالرمان والجوز مقدمة مع الأرز في تجمع عائلي. جلس على الأرض مع مضيفين يتحدثون القليل من الإنجليزية لكنهم تواصلوا عبر اللغة العالمية للطعام المشترك.
ما أثار بوردين أكثر بحسب قوله الخاص كان الفجوة بين صورة إيران في الإعلام الغربي وواقع الحياة اليومية. الإيرانيون لاحظ أنهم دافئون وفضوليون وفخورون بعمق بتقاليدهم الطهوية. الطعام كان معقداً طبقاته من الأعشاب والتوابل تحكي قصة طرق تجارية قديمة ووفرة زراعية. أُعجب بشكل خاص بتطور الطبخ الفارسي الذي وصفه كأحد أعظم المطابخ غير المكتشفة في العالم.
أسواق طهران تركت انطباعاً قوياً. البازار الكبير والأسواق الصغيرة في الأحياء قدمت تشكيلة مذهلة من الأعشاب الطازجة والفواكه المجففة والتوابل والأخباز. بوردين أمضى وقتاً مع خبازين وتجار توابل وطهاة منزليين شرحوا له التقاليد والتقنيات وراء أطباق صُقلت عبر آلاف السنين.
قوة الطعام كجسر
بوردين آمن بأن الجلوس على مائدة شخص ما هو فعل سياسي بالمعنى أنه فرض اعترافاً بالإنسانية المشتركة. في إيران هذه القناعة تجسدت بوضوح. الناس الذين قابلهم كانوا حريصين على إظهاره بلدهم وشرح تقاليدهم وتحدي الصور النمطية التي عرفتهم في الأخبار الدولية. أكثر من مرة أخبر الإيرانيون بوردين أنهم يتمنون لو يستطيع الأمريكيون رؤية بلدهم كما هي فعلاً لا كما تُصوَّر على التلفزيون.
هذا الشعور كان متبادلاً. بوردين عاد من إيران متأثراً بوضوح بالتجربة وفي مقابلات لاحقة تحدث عن الدفء والكرم الذي لقيه. وصف كرم الضيافة الإيراني بأنه فريد من نوعه مشيراً إلى أن المضيفين بذلوا جهوداً استثنائية لجعل ضيوفهم يشعرون بالترحاب.

أطباق حددت الرحلة
عدة أطباق إيرانية برزت خلال زيارة بوردين وكل منها يمثل جانباً مختلفاً من التراث الطهوي للبلاد:
- قورمه سبزي: يخنة عشبية مطهية ببطء مع لحم الغنم والليمون الجاف والفاصوليا الحمراء تُعتبر الطبق الوطني لإيران. مزيج الأعشاب الطازجة بما فيها البقدونس والكزبرة والحلبة مع حموضة الليمون الجاف يخلق عمقاً في النكهة وصفه بوردين بأنه كاشف.
- فسنجان: يخنة غنية من الجوز المطحون ودبس الرمان مقدمة مع أرز بالزعفران. توازن الحلو والحامض وتعقيد صلصة الجوز والأرز العطري بالزعفران مثل لبوردين تطور الطبخ المنزلي الفارسي.
- ته ديغ: قشرة الأرز الذهبية المقرمشة التي تتشكل في قاع القدر تعتبر طبقاً شهياً بحد ذاته. كل عائلة إيرانية لها تقنيتها الخاصة لتحقيق ته ديغ المثالي وبوردين تعلم عدة تنويعات خلال زيارته.
- الكباب: من الكوبيدة إلى البارج تنوع وجودة اللحوم المشوية فاجأت كثيرين من المشاهدين الذين افترضوا أن الطعام الإيراني نباتي بالأساس. بساطة التحضير مع لحم عالي الجودة لا يُتبل إلا بالملح والفلفل وعصير البصل تترك النكهات الطبيعية تتألق.
- آش رشته: حساء شعيرية سميك يُقدم تقليدياً في نوروز رأس السنة الفارسية. المزيج المعقد من الفاصولياء والأعشاب والشعرية والكشك يمثل تقاليد الطبخ الجماعي الذي يجمع العائلات خلال الاحتفالات.
لماذا هذا مهم للمسافرين
حلقة بوردين عن إيران لاقت صدى لأنها أظهرت ما يعرفه المسافرون دائماً: أن أفضل طريقة لفهم مكان هي عبر طعامه وشعبه لا عبر عدسة الجيوسياسة. للمسافرين الذين يفكرون في إيران كوجهة الحلقة تذكير بأن كرم الضيافة محوري في الثقافة الإيرانية وأن تجربة مشاركة وجبة مع عائلة محلية غالباً ما تكون الجزء الأكثر ذكراً من أي رحلة.
الحلقة أيضاً أوضحت أن إيران تمتلك ثقافة طعام غنية ومعقدة مثل أي ثقافة في الشرق الأوسط أو البحر المتوسط. المطبخ الفارسي بجذوره في الإمبراطوريات القديمة التي سيطرت على طرق التوابل طور مفردات طهوية مميزة وراقية. التركيز على الأعشاب الطازجة والتوازن الدقيق بين الحلو والحامض وفن تحضير الأرز وتقليد الأكل الجماعي كلها تسهم في ثقافة طعام تكافئ الاستكشاف.

نصائح عملية لمسافري الطعام في إيران
للمسافرين المستلهمين من رحلة بوردين إيران تقدم فرصاً لا نهائية للاستكشاف الطهوي. ثقافة الطعام في البلاد سهلة ومرحبة والزوار الذين يُبدون اهتماماً حقيقياً بالأطباق المحلية سيجدون أبواباً تُفتح أمامهم لا تتاح لمن يلتزمون بمطاعم السياح.
- تعلم أسماء بضعة أطباق رئيسية قبل الوصول يفتح أبواب المطاعم والمنازل ويظهر احتراماً للثقافة
- الشاي يُقدم في كل مكان وفي جميع أوقات اليوم اقبله بلطف فهو دعوة للترحاب وفرصة للحديث
- افتح مهيار واختر تاكسي للوصول لأفضل المطاعم المحلية غير الموجودة على خرائط السياح خصوصاً في الأحياء السكنية حيث الطعام الأكثر أصالة
- احجز عبر مهيار حافلات للسفر بين المدن وتذوق الاختلافات الإقليمية للأطباق الكلاسيكية من اليخنات العشبية في الشمال إلى مطبخ الجنوب الحار
- طعام الشارع في الأسواق آمن ولذيذ ابحث عن الأكشاك ذات الإقبال العالي وراقب أين يأكل السكان المحليون
- زر البازار الكبير في طهران أو الأسواق المسقوفة في أصفهان وتبريز لتجربة ثقافة المكونات التي يقوم عليها الطبخ الإيراني
- إذا دُعيت إلى وجبة منزلية احضر هدية صغيرة مثل الحلوى أو الزهور فالضيافة في الثقافة الإيرانية متبادلة